يقدم الباحث قراءة سوسيوثقافية للأدب العربي القديم حيث يؤكد على ضرورة فهم الحضارة من خلال الأدب و الأدب من خلال الحضارة.
يعتمد الباحث على محتويات المتاحف كالمنمنمات أو التراث المكتوب الديني و الأدبي. يؤكد في هذا الصدد على المفهوم الواسع للأدب حيث يشمل كل ما يتعلق بالعلوم الصرفة، علوم الدين و اللغة، الموروث السردي كالحكايات و الأمثال. يعتمد الباحث كذلك على كل ما يعثر عليه من شهادات مكتوبة تصف عادات تأثيث الفضاء و إعداد الطعام و غيرها من مختلف مظاهر الحياة اليومية. كل هذه العناصر، يستنبط الباحث، تؤدي إلى استنتاجات ثقافية.
يتطرق الباحث إلى المقامة كفن أدبي اشتهر عند العرب بداية القرن العاشر و يهتم بالتعبيرات الأدبية المشابهة لها بالفارسية و العبرية. زيادة على قيمتها الفنية، يؤكد الباحث على أهمية هذه المقامات في إثراء الدراسات الاجتماعية.
يتجسد اهنمام الباحث جوزيف سعدان بالأدب العربي القديم في دراسته المعمقة لألف ليلة و ليلة. يمس تاريخ إنشائها، كما يقول الباحث أحقبة و بلاد متعددة. تطغى على لغة ألف ليلة و ليلة طابع لغوي شعبي حتى أن القارئ المتمكن من أصول اللغة العربية يكاد يجد بها أخطاء و هي ليست كذلك. كانت هذه الحكايات ملك كل الناس حيث كان تداولها شائعا في الساحات العمومية و أفنية المساجد.
لشهرتها العالمية، يمكن إعطاء ألف ليلة انتماءا أوروبيا لا يبطل هويتها العربية.
تقدم القصة الإطار الملك شهريار كارها للنساء و سالبا لأرواحهن. تحاول شهرزاد بحنكتها السردية الإفلات من عقاب الموت الذي أودى بحياة سابقاتها من النساء. وصلت هذه القصة الإطار ذات الأصل الهندي إلى العرب عن طريق الفرس. أضاف إليها العباسيون بصمتهم البغدادية و كذلك فعل الفاطميون، المماليك و العثمانيون و حتى الأوربيون كما يثبت ذلك مخطوط من القرن الثامن عشر وجد بأكسفورد ، لم تصدر بعد آنذاك حكايات ألف في كتاب واحد يحدد بدايتها و نهايتها مما جعل المعرفة بها جزئية فقط و ليست كلية. ترجع أولى الترجمات الأوربية إلى 1705.
يشير الباحث إلى الدور الريادي الذي لعبه الحلبي حنا دياب، هذا القاص الذي عاش بباريس ردحا من الزمن و عمل على تدوين الحكايات العربية الشفهية كحكاية علاء الدين و حكاية المصباح السحري و حكاية علي بابا حيث كان أول من رواهما للأوروبيين. حكاية علي بابا مفقودة من المخطوطات العربية القديمة، قد تكون انتقلت شفويا إلى أوربا و عادت إلى العربية عن طريق ترجمة النص الفرنسي. يستنتج الباحث من خلال كل هذا الحرية التي أخذها الأوربيين في إضافة ما شاءوا إلى مجموعة ألف ليلة و ليلة. لا حدود إذن لحكايات ألف ليلة و ليلة، فهي تبقى مصدرا حيا أضيفت إليه حكايات و اختفت منه أخرى.
هل علاء الدين حكاية أوربية كما يدعي بعض الباحثين اعتمادا على تشابه بعض عناصرها مع حكايات أوربية. هذا التشابه لا يبطل الأصل العربي لهذه الرواية يجيب الباحث كما لا يقلل من قيمتها الأدبية. يؤكد الباحث هنا على وعيه الكامل بالدور الهام للأدب الشفوي في الحضارة العربية و تقديره لهذا الدور.
وجد الباحث في المكتبة الوطنية بباريس و بمانشستر حكايات من نفس نوع و قيمة حكايات ألف ليلة و ليلة و نشرها بالفرنسية و العربية تحت عنوان "لا ألف و لا ليلة"، كتبت هذه الحكايات على مخطوطات اقتناها بعض الأوربيين لدى بائعي الكتب العرب الذي أرادوا بذلك التخلص من مخطوطات كتبت بلغة شعبية أو عامية و تحتوي على مضامين ذات طابع جنسي. يشير الباحث هنا إلى صعوبة إصدار هذا النوع من الحكايات في بعض الدول العربية لأسباب تتعلق بالأخلاق و الدين
يقدم الباحث قراءة دور المرأة في ألف ليلة و ليلة دون الرغبة في الدخول في مزايدات بين مؤيدي مساواة الجنسين أو معارضيهم. يتوقف عند معان قد تخفى حتى على الباحثين المختصين و يكتفي بعرض مثال حكاية تودد، الجارية المكلفة الثمن التي استطاعت بفضل حفظها عن ظهر قلب لكل المقامات أن تتحدى أنجب علماء بلاط هارون الرشيد (بداية القرن التاسع)، تكسب تودد الرهان و تطلب سروال أكبر العلماء كجزاء لذلك بمباركة من الخليفة نفسه.
ارتبط الأثاث في العصور الأولى للإسلام بمعاني أخلاقية و دلالات اجتماعية. استنادا على المأثور المكتوب، يذكر الباحث مثلا أن النبي محمد، تشبثا بالبساطة و التواضع أمام الملك الأعظم، لم يكن ينام على سرير، كان يستعمله للجلوس فقط.
يرجع الاستعمال المحدود للأثاث في هذه الفترة كذلك لغلائه، كان الملوك و الوزراء و الأغنياء، كل حسب درجته، يعيرونه أهمية خاصة لإظهار ارتفاع شأنهم بين القوم. يحيلنا المتحدث إلى مشاهد البلاط كما يصفها كتاب الأغاني للأصفهاني.
الاحترام الكبير للكتاب و المكتوب في الثقافة العربية الإسلامية يطرح إشكالية التخلص من الكتب القرآنية القديمة و المتهالكة: دفنها، رميها في الماء، مسح الكتابة التي تحملها حلول لاتحقق الإجماع حولها.
أصدرت فتوى تبيح إحراقها أسوة بعثمان الذي أحرق النصوص التي استعملها في تدوين القرآن، لكن آخرين عارضوها بدعوى أن الإحراق هو مآل كتب الزنادقة و الخارجين عن الدين. يطرح الباحث أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل يجب إنقاذ كتب اليهود و النصارى إذا ما تعرضت لخطر النيران مثلا؟ هل يحل مسح القرآن أو ما كتب بلغة القرآن لكتابة شيء ما مكانه؟ الجواب على هذا السؤال يكون عامة بالنفي و لكن هذا لا يقلل من أهمية شأن السؤال الذي يحيلنا إلى إشكالية "البلامسيست". يؤكد الباحث على أهمية هذه الأسئلة التي تحيلنا كذلك إلى إشكاليات الأدب و العلوم و الثقافة و نقل التقاليد للأجيال القادمة.
الحكايات المدروسة تمزج بين لغة شعبية جدا و أخرى شاعرية، يؤكد الباحث على أهمية الاحتفاظ بهذا التنوع و الغنى اللغوي و ربطه بدراسة الحضارة و التاريخ. يأسف الباحث على التراجع العام في الإقبال على الدراسات الأدبية على المستوى الجامعي.
يذكر الباحث في ملخصه باللغة العربية على أهمية الدراسات الاجتماعية الأدبية و الاجتماعية الثقافية، و يعطي مثال أولى أبحاثه الذي ارتبطت بالأثاث في العصور الوسطى، الإلمام بالأشياء التي تؤثث الفضاء الداخلي ضرورية لفهم كتاب الأغاني مثلا. يذكر الباحث كذلك بالأهمية الفنية لألف ليلة و ليلة و للحكايات التي تنتمي إلى نفس النوع و الذي يعمل على نشرها إيمانا منه بقيمتها الأدبية و الحضارية على وجه العموم.
يذكر الباحث أخيرا على أهمية ربط الدراسات الأدبية بالعلوم و الفنون الأخرى و يعتبر هذه الطريقة أنفع أسلوب لتعليم الأدب بشكل عام.